افتح صفحة صدق بيضاء نقية ليس من الغد بل من هذه اللحظة، وارفع شعار الصدق في كل حين حتى تلقى ربك به، ومايزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقًا.
قيل للحسن البصري : يا أبا سعيد ! إننا نجالس أقوامًا يخوفوننا من الله جل وعلا، حتى تكاد قلوبنا أن تطير من شدة الخوف ..
فقال الحسن رحمه الله : والله إنك إن تخالط أقوامًا يخوفونك في الدنيا حتى يدركك الأمن في الآخرة، خير من أن تصحب أقوامًا يؤمنونك في الدنيا حتى يدركك الخوف في الآخرة ..
فهذا حال جبال الحجارة الصلبة، وهذه رقتها وخشيتها وتدكدكها من جلال ربها، فيا عجبا من مضغة لحم أقسى من هذه الجبال! تسمع فلا تلين! ومن لم يلن لله في هذه الدار قلبه فليستمتع قليلا، فإن أمامه الملين الأعظم - النار عياذا بالله منها - !
قال أحد الصالحين :
لكل إنسان أربع أعين : عينان في رأسه لدنياه، وعينان في قلبه لآخرته، فإن عميت عينا رأسه وأبصرت عينا قلبه لم يضره عماه شيئا، وإن أبصرت عينا رأسه وعميت عينا قلبه لم ينفعه نظره شيئا ..
قال بعض السلف : إذا نطقت فاذكر من يسمع، وإذا نظرت فاذكر من يرى، وإذا عزمت فاذكر من يعلم ..
وقال سفيان الثوري يومًا لأصحابه : أخبروني، لو كان يجلس معكم من يرفع الحديث إلى السلطان أكنتم تتكلمون بشيء يُغضبه ؟!
قالوا : لا ..
قال : فإن معكم من يرفع الحديث إلى الله عز وجل ..
قال ابن رجب : "فيه إشارة إلى أنه لابد من تقصير في الاستقامة المأمور بها، فيجبر ذلك بالاستغفار المقتضي للتوبة والرجوع إلى الاستقامة، فهو كقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ : (اتَّقِ اللهَ حيثُما كنتَ، وأَتْبِعِ السيئةَ الحسنةَ تَمْحُها)"
فالحذر من الوقوع في مصيدة إبليس الخطيرة وهي اليأس من الاستقامة لتوالي الهفوات، وإنما الحل في بذل الوسع في النجاة والسلامة، والمبادرة بالقيام بعد الكبوة، والرجوع قبل التمادي.
يقول د. سلمان العودة :
لم يمنحك الله الحياة لتكون قصة يأس، ولا رواية أسى وحزن، ولا لتجعل منها فصول حرمان ..
خلقها لتسعد بها دنيا، وتبني بها قصور سعادة الأخرى ..
صدر سبحانه الآية بألطف أنواع الخطاب، وهو الاستفهام المتضمن لمعنى الطلب، وهو أبلغ فى الطلب من صيغة الأمر، وسمى الإنفاق قرضًا حسنًا حثًا للنفوس على البذل؛ لأن الباذل متى علم أن عين ماله يعود إليه ولابد طوّعت له نفسه بذله وسهل عليه إخراجه.
قال : الصباح، فقلت : من أعماقي
نور الصباح يسيح في الآفاق ..
مادام قلبي مشرقاً بيقينه
فلسوف يبقى النور في أحداقي ..
في القلب يشرق كل فجر ضاحك
متسللا من نبضه الخفاق ..
فإذا صفت منا القلوب صفا لنا
كدر الحياة وطاب كل مذاق ..
وإذا تكدرت القلوب فلا تسل
عما ترى الأبواب من إغلاق ..
قال : الصباح، فقلت : بل إحساسنا
ببهائه وضيائه الدفّاق ..
إنّ القلوب هي الصباح تزيده
معنىً جميلا ًضاحك الإشراق ..